أبرئ ذمتك يا مفتي الجمهورية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله خير خلْق الله أجمعين، وعلى آله وأزواجه وأصحابه الأخيار الطاهرين.
وبعد:
فإنه بعد مقالي "مفتي الدمار وفتاوى العار"، نشرت صحيفة "المصريون" تصريحًا صادرًا عن دار الإفتاء المصرية تنفي فيه صدور فتوى عن المفتي علي جمعة تبيح تسليم الأخت كاميليا شحاتة للكنيسة حقنًا للفتنة الطائفية وقياسًا على ما اتفق عليه في صلح الحديبية من ردّ بعض المسلمين للكفار، ودار الإفتاء ترد بذلك على صحيفة صوت الأمة التي نسبت تلك الفتوى للمفتي مؤكدة أنها تملك تسجيلاً صوتيًا لها.
وفي الواقع فإنني أتمنى كغيري من جموع المسلمين ألا تكون هذه الفتوى قد صدرت فعلاً عن علي جمعة ، وأن يكون ما نشرته صحيفة صوت الأمة غير صحيح، لكنني في الوقت ذاته أطرح بعض التساؤلات التي تجعلني متشككًا في كون هذه الفتوى لم تصدر عن جمعة بالفعل، ومنها ما يلي:
1- لماذا لم يخَرج المفتي بنفسه ليكذِّب صدور هذه الفتوى عنه؟ فهل يعجز وهو مفتي الجمهورية عن الظهور في وسيلة إعلامية كبرى واسعة الانتشار؛ ليعلن على الملأ أنه بريء من هذا البلاء الذي نسب له؟
2- أليس بوسع علي جمعة أن يقاضي صحيفة صوت الأمة ويلزمها بنشر نفي وتكذيب لهذا الخبر مع مطالبتها بإظهار التسجيل الصوتي الذي أكدت أنها تملكه؟
3- لماذا لا يصدر المفتي ـ وهذه وظيفته الرسمية ـ بيانًا رسميًا أو فتوى معتمدة منه تبين الحكم الشرعي في تسليم كاميليا للكفار إبراءً لذمته وإظهارًا للحق؟
فلا شك أنه من الواجب على المفتي علي جمعة بحكم وظيفته الرسمية أن يبين الحكم الشرعي في مثل هذا الموقف، ولا ريب أن هذا الواجب يزداد تأكيدًا بعد ما نسب إليه في صحيفة صوت الأمة؛ حتى يزيل اللبس ويغلق باب اللغط.
فماذا ينتظر جمعة حتى يصدر تلك الفتوى؟ وهل سكوته عن الصدع بكلمة الحق في مثل هذه المواقف عادة أو عبادة؟
وقد يقول لنا بعض المتحمسين للمفتي: إنكم تسرعتم بنقده قبل أن تتأكدوا من الخبر، حيث إن الصحيفة ليس مصدرًا معتبرًا .
وأنا أقول: إنه ليس من السهل على أي صحيفة أن تنسب فتوى لشخصية عامة رسمية مثل مفتي الجمهورية وتدعي أنها تملك تسجيلاً لها وهي كاذبة في ذلك؛ لأنها تعلم أنه يسهل عليه تكذيبها في أكبر وسائل الإعلام، ومن اليسير عليه كذلك ملاحقتها قضائيًا والمطالبة بالتعويض المادي والمعنوي، كما يمكنه قانونيًا إلزامها بنشر تكذيب في نفس الموضع بالجريدة، وهذا يقدح في مصداقيتها، ويضرّ بها إضرارًا كبيرًا.
كل هذا يجعل غالب الظن هو صدور مثل ذلك عن المفتي فعلاً، ويُبعد في الظاهر أن يكون هذا محض اختلاق لا أصل له.
وأؤكد أن هذا غالب الظن وليس اليقين، والله تعبّدنا بغالب الظن وجعله حجة ومستندًا في كثير من الأحكام كما هو مقرر في الأصول.
والعجيب أن من ينقمون علينا اعتمادنا على الصحيفة كمصدر في الإثبات، هم أنفسهم يعتمدون على صحف أخرى في النفي وهذا اضطراب ظاهر في المنهج.
فإن قالوا: عندنا إثبات ونفي فلا نأخذ بهذا أو ذاك.
قلنا: إنه قد تقرر في الأصول أنه إن وجد المثبت والنافي قدمنا المثبت.
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (5/251) : "إن المثبت مقدم على النافي وهو وفاق من أهل العلم إلا من شذّ".
فإن جاءت البينة واليقين من كلام علي جمعة نفسه في بيان رسمي، فعندها سنكون الأسعد بذلك وسنعتذر له ونشكره على بيانه للحق.
وجدير بالذكر أنه قد نُشر على موقع الجزيرة وجريدة اليوم السابع ما يفيد ضمنيًا رفض علي جمعة لتسليم الأخت كاميليا.
وهذا رابط للتوثق من الخبر:
http://aljazeera.net/NR/exeres/A028E20C-DEE9-4C0D-8DA8-CA9EE82DB840.htm?GoogleStatID=9
فذكر موقع الجزيرة أن جمعة أكد -على هامش سحور رمضاني أقامه المجلس المصري للشؤون الخارجية- أنه لا يجوز لأي جهة أن تحتجز إنسانًا في مكان بعد إسلامه، لأن هذا الأمر "منافٍ لحقوق الإنسان وضد الإنسانية، ونكره أن يعمّ هذا في أرض مصر بهذه الصورة الغبية، وبهذه الطرق غير المشروعة".
وردًا على سؤال بشأن ما تردد عن ممارسة الكنيسة ضغوطًا على كامليا شحاتة لإجبارها على ترك الإسلام والعودة للمسيحية، قال مفتي مصر "إذا كانت هناك جهة تريد أن تجبر تلك السيدة على ذلك فنحن نعارضها؛ لأن هذا أمر يتعارض مع حقوق الإنسان والحريات".
واستنكر المفتي ما قيل عن قيام أجهزة أمن الدولة باعتقال المواطنة التي أعلنت إسلامها وتسليمها إلى الكنيسة، قائلاً إن "القبض على هذه السيدة إن كان تم لأنها أعلنت إسلامها فهو أمر مرفوض ويتعارض مع الدستور وحقوق الإنسان والأديان السماوية".
وهذه التصريحات تحمد للمفتي بلا شك وتعدّ خطوة جيدة يجب أن نشكرها له، وإن كنا نقول في نفس الوقت أن هذه التصريحات لا تكفي في إظهار الحق وبيانه للجماهير؛ حيث إنها جاءت على مائدة إفطار خاصة وليس في فتوى رسمية، وينبغي أن تكون هذه المعارضة رسمية وعلنية وواضحة.
فأرجو من مفتي الجمهورية أن يصدر فتوى رسمية يبين فيها الحق إبراء لذمته، وأطالبه أن يقوم بواجبه ويؤدي وظيفته ويعلن لكل المسلمين حكم الله في تسليم كاميليا شحاتة زاخر وأخواتها.
فإن كان هذا هو قولك حقًا أيها المفتي فلماذا لا تعلنه على الملأ لا سيما وقد نُشِر على لسانك خلافه؟ فاتق الله يا مفتي الجمهورية وأبرئ ذمتك واقطع ألسنة الباطل وكن عونًا لأهل الحق، وأعلنها صريحة تستبرئ لدينك وعرضك.
من ناحية أخرى نقول أن كلام جمعة المنشور على موقع الجزيرة وجريدة اليوم السابع كما اشتمل على بعض الحق فقد اشتمل كذلك على باطل لا بد من الردّ عليه ومن ذلك:
قول المفتي الذي أنقله نصًا عن موقع الجزيرة:
(إنه فيما يتعلق ببعض الأشخاص غير المسلمين الذين يعلنون إسلامهم، "فنحن نؤكد أننا نؤمن بحرية العقيدة فإذا أسلم شخص فلا يجوز لأحد أن يجبره على ترك الإسلام، وإذا أراد الشخص الذي دخل الإسلام العودة إلى ديانته الأولى فلا يجب أن يمنعه أحد أيضًا، فحرية العقيدة مكفولة على الوجهين!!".
وهذه سقطة شديدة للمفتي ـ إن صحت عنه ـ حيث إن الإسلام لا يكفل حرية الكفر والردة لمن أراد أن يكفر بالإسلام بعد أن كان مسلمًا، بل إن حكم الله فيمن ارتدّ عن دين الإسلام هو القتل إن لم يتب، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من بدّل دينه فاقتلوه" أخرجه البخاري (2794).
وهذا إجماع مشهور معروف نقله كثير من العلماء من مختلف المذاهب، وإليكم أقوال بعضهم:
قال ابن المنذر (الإجماع ص174): "وأجمع أهل العلم بأن العبد إذا ارتد فاستُتِيب فلم يتب قتل، لا أحفظ فيه خلافًا".
وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي (المغني: 10/72): "وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد".
وقال الإمام الماوردي الشافعي (الحاوي الكبير (16/406): "فإذا ثبت خطر الردة بكتاب الله تعالى، فهي موجبة للقتل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإجماع صحابته".
وقال الكاساني الحنفي (بدائع الصنائع (7/198) في بيان أحكام المرتد: "إباحةُ دمِهِ إذا كان رجلاً، حُراً كان أو عبداً؛ لسقوط عصمته بالردة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من بدَّل دينه فاقتلوه" وكذا العرب لما ارتدت بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعت الصحابة رضي الله عنهم على قتلهم".
وقد نقل كذلك ابن حزم في كتابه "مراتب الإجماع" (ص210) إجماع العلماء على قتل المرتد إن استتيب فلم يتب ـ على خلاف في الاستتابة ومدتها ـ ولم يتعقبه ابن تيمية في كتابه "نقد مراتب الإجماع" بما يعني موافقته على هذا الإجماع.
ونقل كذلك ابن رشد المالكي (بداية المجتهد (2/376) الاتفاق على قتل المرتد فقال: "والمرتد إذا ظفر به قبل أن يحارب، فاتفقوا على أنه يقتل الرجل، لقوله عليه الصلاة والسلام: "من بدّل دينه فاقتلوه".
وبعد أن نقلت الإجماع عن جمع من العلماء، أحبّ أن أنقل أيضًا قول الإمام الشافعي الذي يَنسب علي جمعة نفسه لمذهبه:
قال الإمام الشافعي (مختصر المزني ص259): "ومن ارتد عن الإسلام إلى أي كفر كان، مولودًا على الإسلام أو أسلم، قُتِل".
وقال أيضًا (الأم 6/2078): "وإذا أسلم القوم ثم ارتدوا عن الإسلام في دار الإسلام وهم مقهورون أو قاهرون في موضعهم الذي ارتدوا فيه وادعوا نبوة رجل تبعوه عليها، أو رجعوا إلى يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو تعطيل أو غير ذلك من أصناف الكفر، فسواء ذلك كله، وعلى المسلمين أن يبدأوا بجهادهم قبل جهاد أهل الحرب الذين لم يسلموا قط، فإذا ظفروا بهم استتابوهم فمن تاب حقنوا دمه بالتوبة وإظهار الرجوع إلى الإسلام، ومن لم يتب قتلوه بالردة وسواء ذلك في الرجل والمرأة".
فإن كان هذا التصريح المنشور في الجزيرة مكذوب على المفتي علي جمعة، فإنني أطالبه أن ينفيه بوضوح، ويكذّبه بإصدار بيان رسمي علني، لا سيما بعد نشر هذا التصريح على مدى واسع.
وأما إن كان قد قاله بالفعل فهو مطالب بأمر من اثنين:
- إما أن ينقل لنا مستنده في عدم وجوب منع المرتد عن ردته، والدليل على أن حرية الكفر والردة مكفولة له، على أن يذكر لنا قول عالم واحد معتبر يقول بمثل قوله.
- وإما أن يعود إلى رشده ويتوب إلى ربه بعد أن خالف صريح سنة النبي صلى الله عليه وسلم وإجماع علماء الأمة المعتبرين، فقد قال ابن حزم (مراتب الإجماع ص209): "واتفقوا أن من خالف الإجماع المتيقن بعد علمه بأنه إجماع، فإنه كافر".
فيا مفتي الجمهورية أبرئ ذمتك أمام ربك، واستبرئ لدينك وعرضك، ووإياك أن تكون شيطانًا أخرس، وننتظر منك بيانًا شافيًا، وإيضاحًا كاملاً، وفتوى معلنة.
وأسأل الله أن ينوّر بصائرنا، وأن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وألا يجعل مصيبتنا في ديننا، ولا يجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، وأن يستعملنا في خدمة الدين، وأن ينصر عباده المستضعفين من الموحدين.
أبو عبد الله الصارم
ضع هذا المقال علي موقعك
معاينه



Mister Wong
Digg
Del.icio.us
Slashdot
Furl
Yahoo
Technorati
Newsvine
Googlize this
Blinklist
Facebook
Wikio